فصل: مسألة حلاق الصبيان قُصَّة وقَفا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة فيما ذكر في موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ:

قال: وكان يحيى بن سعيد يقول: «كأني أنظر إلى موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ وعليه ثوبان أخضران منهبطا من ثنية هرشا لما مضى».
قال محمد بن رشد: سقط، قال مالك لما مضى في بعض الكتب، وهو صحيح في المعنى، لأن يحيى بن سعيد إنما قال ذلك تحقيقا لما أخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك، وذلك كما يقول الرجل: فلان فعل كذا وكذا أمس كأني أنظر إليه يفعله تصديقا لما أخبر به عنه. وقد عرضت الأمم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرآها على ما كانت عليه.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوما فقال: عرضت علي الأمم ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل هذا موسى في قومه» وبالله التوفيق.

.مسألة فيما يحذر من قرب الساعة والتصديق بنزول عيسى ابن مريم عَلَيْهِ السَّلَامُ:

قال: وكان أبو هريرة يلقى الفتى الشاب فيقول: يا ابن أخي إنك عسى أن تلقى عيسى ابن مريم فأقرأه مني السلام.
قال محمد بن رشد: قد أعلم الله عز وجل في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن عيسى ابن مريم ما قتل ولا صلب وأن الله رفعه إليه. وأخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخبارا متواترا وقع العلم به أنه سيهبط في آخر الزمان حكما عدلا مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويفيض المال، فوجب التصديق على كل مسلم بذلك كما فعل أبو هريرة، وبالله التوفيق.

.مسألة مناولة الرجل ما سقي من الشراب لجلسائه:

في مناولة الرجل ما سقي من الشراب لجلسائه قال مالك: سمعت أن عمر بن الخطاب سقي شرابا فيه عسل فذاقه ثم قال: من يأخذ هذا بشكره فناوله إنسانا.
قال محمد بن رشد: السنة أن يناول الرجل الشراب لمن على يمينه على ما جاء من «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن». وأنه «أوتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال: لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا فتله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يده». فيحتمل أن يكون عمر بن الخطاب إذ أوتي بالشراب لم يكن أحد ممن معه على يمينه، ولذلك قال ذلك القول. وفي قوله شراب فيه عسل دليل على أن الشراب لم يكن من عسل وإنما كان من غير العسل وفيه عسل. وخلط العسل بشراب غير العسل منهي عنه، والنهي إنما هو في خلطه فإذا خلط لم يلزم هرقه وجاز شربه.
وقوله في حديث عمر: وذاقه، يدل على أنه لم يشربه، وذلك، والله أعلم أنه لما وجد فيه طيب العسل ترك شربه لئلا يستجاز شربه إياه وخلطه، وبالله التوفيق.

.مسألة كراهة الاستدانه بالديون:

في كراهة الاستدانه بالديون قال مالك وحدثني عمر بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه أن رجلا من جهينة يقال له: الأسيفع كان يشتري الرواحل بالدين فيغلي بها فيسبق الحاج فأفلس، فقال عمر بن الخطاب إن الأسيفع أسيفع جهينه رضي من دينه وأمانته أن يقال سبق الحاج فادان معرضا فأصبح قدرين به، فمن كان له عليه شيء فليأتني بالغداة نقسم بينهم ماله، وإياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب.
قال محمد بن رشد: قوله ادان معرضا معناه ادان مع كل من وجد وأمكنه مداينته. وقوله قدرين به، معناه قد غلب عليه الدين. قال الله عز وجل: {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]، وذلك أنه كان يشتري الرواحل بالدين ويسرع السير ليبيعها بالموسم بالربح، فأخطأه ذلك وباع بالخسارة فغلبه الدين وقوله إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب، يروى حرب، وحرب- بإسكان الراء وفتحها- فالحرب القتال، والحرب الهلاك. فيقول إن الدين يكون آخره إلى منازعة وخصام، ومرافعة إلى الحكام، أو إلى هلاك ماله. وقد استعاذ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الدين فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» ولذلك نهى عنه عمر بن الخطاب فقال: وإياكم والدين. وقد جاءت آثار كثيرة في التشديد في الدين وأن صاحبه يوم القيامة محبوس بدينه دون الجنة، فقيل معنى ذلك فيمن تداين في سرف وقمار، وقيل بل كان ذلك في أول الإسلام قبل أن تفتح الفتوحات وتفرض على الناس الزكوات، فلما أنزل الله عز وجل براة ففرض فيها الزكاة وجعل للغارمين فيها حقا، وأنزل آية الفيء والخمس فجعل فيهما حقا للمساكين وابن السبيل قال حينئذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فعلي». فمن تداين فيما يحتاج إليه وهو يرى أن ذمته تفيء بما تداين به فليس بمحبوس دون الجنة بدينه إن مات ولم يترك مالا؛ لأن على الإمام أن يؤديه عنه من بيت المال، ومن سهم الغارمين من الزكوات، أو من جميعها إن رأى ذلك على مذهب من رأى أنه إن جعل الزكاة كلها في صنف واحد أجزأ. وقد قيل إنه لا يجوز أن يؤدى دين الميت من الزكاة، فعلى هذا القول إنما يؤدي الإمام دين من مات وعليه دين من الفيء الحلال للفقير والغني، وبالله التوفيق.

.مسألة حفظ ابن شهاب:

في حفظ ابن شهاب قال: حدثنا ابن شهاب حديثا فقلت أعد علي، فقال: لا، فقلت أما كان يعاد عليك؟ قال لا، فقلت له: فكنت تكتب؟ فقال لا، فخليت سبيله.
قال محمد بن رشد: المعني في هذا بين والحمد لله وبه التوفيق.

.مسألة القراءة في الحمام:

في القراءة في الحمام وسئل مالك عن القراءة في الحمام، فقال: القراءة بكل مكان حسنة، ليس الحمام بموضع قراءة، فإن قرأ الإنسان الآيات فليس بذلك بأس، وليس الحمامات من بيوت الناس الأول.
قال محمد بن رشد: كره القراءة في الحمام إذ لا ينفك عن النجاسة في أغلب الأحوال، كما كره قراءة القرآن في الأسواق والطرق من أجل ذلك، واستحب أن ينزه القرآن عن أن يقرأ إلا في مواضع القراءة إلا أن يكون الشيء اليسير أو مثل الغلام يتعلم القراءة على ما يأتي له بعد هذا. وقد أجاز ذلك بكل حال في أحد قوليه، واحتج بقول أبي موسى: أما أنا فأتفوقه تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا وعلى جنب وعلى كل حال. وقد تقدم ذكر ذلك في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة ضرب الأجل لأهل الحرب إذا قدموا للتجارة:

في ضرب الأجل لأهل الحرب إذا قدموا للتجارة وسئل مالك عن اليهود والنصارى والمجوس إذا قدموا المدينة أيضرب لهم أجل؟ فقال نعم يضرب لهم أجل ثلاث ليال يتسوقون وينظرون في حوائجهم، فقد ضرب ذلك لهم عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقال رئيس اليهود له حين أجلاهم: أتجلينا وقد أقرنا محمد عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ فقال عمر: أتراني نسيت قوله لك: كيف بك إذا رقصت بك قلوصك ليلة بعد ليلة. قال إنما كانت هزيلة من أبي القاسم، فقال له عمر كذبت.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يضرب لهم أجل ثلاث ليال، يريد ثلاث ليال بأيامهن، فلا يحسب عليهم يوم ورودهم. وإنما رأى أن يضرب لهم ثلاث ليال لأن ذلك هو مقدار السفر وما فوق ذلك إقامة، بدليل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يقيمن مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث» إلا أن لا تتم حوائجهم وما يحتاجون إليه في بيعهم وشرائهم في ثلاث ليال فيزاد في الأجل قدر ما يحتاجون إليه ولا تتم حوائجهم فيما دونه. وقد مضى حديث إجلاء عمر اليهود وما قاله له رئيسهم في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة ما روي عن كعب:

فيما روي عن كعب قال مالك: وذكر أن حديث كعب حين جاء إلى عمر بن الخطاب بالمصحف فقال له أهذه التوراة؟ أن زيد بن أسلم الذي حدثه بذلك عرض عليه عرضا.
قال محمد بن رشد: كعب هذا، والله أعلم، هو كعب الأحبار، وهو كعب بن ماتع الحميري من آل ذي رعين من حمير، وقيل من ذي الكلاع من حمير، يكنى أبا إسحاق، وأسلم في زمن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وتوفي في آخر خلافة عثمان. وكان عالما بالتوراة لأنه كان حبرا من أحبار اليهود وإن كان عربي النسب، فكثير من العرب تهود وكثير منهم تنصر، فكان كثيرا ما يحدث منها. فمعنى قوله في المصحف لعمر بن الخطاب أهذه التوراة؟ والله أعلم، أهذه توراتكم التي هي عندكم بمنزلة التوراة عند اليهود، وبالله التوفيق.

.مسألة في مشي موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ مع المرأتين إلى أبيهما شعيب عَلَيْهِ السَّلَامُ:

قال: وبلغني أن موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ حين جاءته إحدى المرأتين فقالت: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] مشى خلفها ثم قال لها: امشي خلفي فإني عبراني لا أنظر في أدبار النساء، فإن أخطأت فصفي لي فمشى بين يديها وتبعته.
قال محمد بن رشد: مشيه خلفها من أمانته التي وصفه الله عز وجل بها حيث قال في كتابه: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26]. وقوته أنه استوهب الرعاء دلوا فوهبوه إياه فنزعه وحده، وكان لا ينزعه إلا عشرة رجال. وقيل أربعون رجلا، فدعا فيه بالبركة فكفى ماشيتهما، فذلك قَوْله تَعَالَى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، وقيل إنه رفع من على فم البير صخرة كانت عليه وحده، وكان لا يرفعها إلا عشرة رجال، وقيل أربعون رجلا.
في نقل لفظ الحديث على المعنى وقال مالك: ما لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فليس كما لفظ غير النبي، فإذا كان المعنى واحدا وما لفظ النبي فينبغي للمرء أن يقوله كما جاء.
قال محمد بن رشد: قوله فإذا كان المعنى واحدا، معناه فلا بأس به إذا لم يكن من لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد مضى الكلام على هذا فوق هذا في هذا الرسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة النظر إلى المجذوم:

في النظر إلى المجذوم وسئل مالك أتكره إدامة النظر إلى المجذوم؟ قال: أما في الفقه فلم أسمع بكراهيته، ولا أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا مخافة أن يفزع ويقع في نفسه من ذلك شيء.
قال محمد بن رشد: النهي الوارد عن ذلك هو من معنى «قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمرأة التي جاءته فقالت: يا رسول الله: دار سكناها والعدد كثير والمال وافر، فقل العدد وذهب المال، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعوها ذميمة» فأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتركها لما وقع في نفوسهم من أن ذهاب مالهم وقلة عددهم كان بسبب سكناهم الدار، فخشي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهم إن تمادوا في السكنى فيها فذهب من مالهم بعد شيء أو نقص من عددهم أن يقوى في نفوسهم ما كان وقع فيها من ذلك. ومن معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يحلل الممرض على المصح وليحلل المصح حيث شاء» بعد أن قال «لا عدوى ولا هام ولا صفر» فنهي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحل الممرض الذي إبله مرضى على المصح الذي إبله صحاح مخافة أن تمرض إبله بقدر الله عز وجل فيظن أن ذلك بسبب ورود الإبل المراض عليها وأنها هي التي أعدتها، وبالله التوفيق.

.مسألة الحجامة يوم السبت والأربعاء:

في الحجامة يوم السبت والأربعاء وسئل مالك عن الحجامة يوم السبت والأربعاء فقال: لا أرى بأسا بالحجامة يوم السبت والأربعاء، والأيام كلها سواء، وإني لأكره أن يترك الحجامة على هذا، قالوا لا يحتجم يوم كذا وكذا، ولا يسافر يوم كذا وكذا، والأيام كلها لله عز وجل. قال: وكانت عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقول: لو نهي الناس عن جاحم الجمر لقال قائل فإني أحب أن أذوقه.
قال محمد بن رشد: أما تشاؤم من تشاءم بالسبت، والله أعلم، فلم يحتجم فيه من أجل أن أهل السبت تعدوا فيه فمسخهم الله قردة وخنازير، قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66] وتشاؤم من تشاءم بالأربعاء ولم يحتجم فيه ولا سافر فيه من أجل ما روي من أن الأيام النحسات المشؤومات التي قال الله عز وجل فيها: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} [فصلت: 16] كان أولها يوم الأربعاء إلى الأربعاء ثمانية أيام التي قال الله عز وجل فيها: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7] {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8]. والأيام كلها لله، فلا ينبغي أن يتشاءم بشيء منها، ولا يمتنع في شيء منها في شيء من الأشياء كما قال مالك رَحِمَهُ اللَّهُ. وفيما أغري الناس من مثل هذا وشبهه قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لو نهي الناس عن جاحم الجمر لقال قائل لو ذقته، تريد أن الناس إذا نهوا عن شيء فيما يضر بهم في دينهم أو دنياهم زينه لهم إبليس ووسوس إليهم فيه حتى يوقعهم في المكروه، وكذلك لا ينبغي أن يتوخى في الحجامة أياما بأعيانها. وقال سئل مالك فيما يأتي في هذا السماع عن الحجامة لسبع عشرة وخمس عشرة وثلاث عشرة، فقال: أنا أكره هذا ولا أحبه، وكأنه يكره أن يكون لذلك وقت، وبالله التوفيق..

.مسألة حمل الصبيان على الخيل في الرهان:

في حمل الصبيان على الخيل في الرهان وسئل مالك عن حمل الصبيان الصغار على الخيل يجرونها في الرهان، فربما سقط أحدهم فمات، قال: أكره أن يحمل على الخيل الصبيان الصغار. قلت له: أفترى أن يشهد؟ فقال: لا أدري، أما أنا فلا أرى حملهم ولا أراه.
قال محمد بن رشد: أما حمل الصبيان على الخيل يجرونها في السباق وقد يموت في ذلك بعضهم، فالمكروه في ذلك بين. ومن حمل صبيا في ذلك على فرسه فهو لما أصابه في ذلك ضامن، ولا بأس بالمسابقة بين الخيل لما جاء من «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع». وذلك نحو ستة أميال أو سبعة، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وذلك نحو ميل، روى ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله بن عمر، وكان ممن سابق بها. والمسابقة في ذلك جائزة على الرهان وعلى غير الرهان. والرهان فيها على ثلاثة أوجه: وجه جائز باتفاق، ووجه غير جائز باتفاق، ووجه مختلف في جوازه. فأما الجائز باتفاق فهو أن يخرج أحد المتسابقين إن كانا اثنين أو أحد المتسابقين إن كانوا جماعة جُعلا لا يرجع إليه بحال ولا يخرج من سواه شيئا، فإن سبق مخرج الجعل كان الجعل للسابق، وإن سبق هو صاحبه ولم يكن معه غيره كان الجعل طعمة لمن حضر؛ وإن كانوا جماعة كان الجعل لمن جاء سابقا بعده منهم. وهذا الوجه في الجواز مثل أن يخرج الإمام الجعل فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم أجمعين. وأما الوجه الذي لا يجوز باتفاق فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين إن كانا اثنين، أو كل واحد من المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا على أنه من سبق منهم أحرز جعله وأخذ جعل صاحبه إن لم يكن معه سواه، أو أجعال أصحابه إن كانوا جماعة، فهذا لا يجوز بإجماع؛ لأنه من الغرر والقمار والميسر والخطار المحرم بالقرآن؛ وأما الوجه المختلف فيه فهو أن يخرج أحد المتسابقين إن كانا اثنين، أو أحد المتسابقين إن كانوا جماعة، جعلا ولا يخرج من سواه شيئا على أنه إن سبق أحرز جعله، وإن سبقه غيره كان الجعل للسابق، فهذا الوجه اختلف فيه قول مالك، وهو على مذهب سعيد بن المسيب جائز. ومن هذا الوجه المختلف فيه أن يخرج كل واحد من المتسابقين جعلا على أن من سبق منهما أحرز جعله وأخذ جعل صاحبه على أن يدخلا بينهما محللا لا يأمنا كذا أن يسبقهما على أنه إن سبقهما أخذ الجعلين جميعا، فهذا الوجه أجازه سعيد بن المسيب ولم يجزه مالك ولا اختلف فيه قوله كما اختلف في الوجه الأول الذي قبله؛ لأنه أخف في الغرر منه، ويجمع بينهما في المعنى أن حكم مخرج الجعل مع صاحبه في تلك في حكم مخرج الجعل مع المحلل في هذه، وسواء كان مع الجماعة المتسابقين محلل واحد أو مع الاثنين المتسابقين جماعة محللون، الخلاف في ذلك كله، إلا أنه كلما كثر المحللون وقل المتسابقون كان الغرر أخف والأمر أجوز. وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رواية أبي هريرة أنه قال: «من أدخل فرسا بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق فذلكم القمار» وهو حجة لابن المسيب، وبالله التوفيق.

.مسألة حلاق الصبيان قُصَّة وقَفا:

في حلاق الصبيان قُصَّة وقَفا وسئل عن حلاق الصبيان قصة وقفا، قال: ما يعجبني، فقلت له: فمن الجواري والغلمان فقال: ما يعجبني من الجواري ولا من الغلمان، إن كانوا يريدون أن يدعوا شعره فليدعوه، وإن كانوا يريدون أن يحلقوه فليحلقوه كلّه. وقد كلمت في ذلك بعض الأمراء وأمرته أن ينهى عن ذلك، فسئل عن القصة وحدها بلا قَفَا، فقال: مثل ما قال في القُصّة والقَفَا.
قال محمد بن رشد: حلاق الصبي قصة وقفا هو أن يحلق وسط رأسه ويبقى مقدمه مقصوصا على وجهه ومؤخره مسدولا على قفاه. وحلاقه قصة بلا قفا هو أن يحلق وسط رأسه إلى قفاه ويبقى مقدمه مقصوصا على وجهه، وذلك كله مكروه للصبيان كما قال، لما جاء من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نهى عن القزع» وهو حلق بعض الرأس دون بعض، فعم ولم يخص صغيرا من كبير. ولم يكره مالك رَحِمَهُ اللَّهُ القصة للصغيرة إذا لم يحلق بعض رأسها على ظاهر هذه الرواية كما كره للكبيرة، ففي كتاب جامع المسائل والحديث لأصبغ قال: سمعت ابن القاسم يقول: كره مالك القصة للمرأة كراهية شديدة، قال وكان فرق الرأس أحب إلى مالك فيما أظن. وإنما كره مالك، والله أعلم، لما جاء من أن أهل الكتاب كانوا يسدلون شعورهم، وكان المشركون يفرقون، فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناصيته ثم فرق بعد. وروى عيسى عن ابن القاسم عن مالك قال: رأيت عامر بن عبد الله بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهشام بن عروة يفرقون رؤوسهم، وكانت لهشام جمة إلى كتفيه. وروي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسا يجزون كل من لم يفرق شعره. وقد روي أن «شعر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان دون الجمة وفوق الوفرة». وروي «أنه كان إلى شحمة أذنه» وروي «أنه كان بين أذنيه وعاتقه». وهذا يدل على أن اتخاذ الشعر أحسن من جزه وإحفائه. وذهب الطحاوي إلى أن جزه وإحفاءه أحسن من اتخاذه واستعاله، واحتج بما روي من أن «أبا وائل بن حجر أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد جز شعره فقال له: هذا أحسن» قال: إن ما قال فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنه أحسن فلا شيء أحسن منه، ومعقول أنه قد صار إليه وترك ما كان عليه قبل ذلك، إذ هو أولى بالمحاسن كلها من جميع الناس. وهذا في الرجال، وأما المرأة فلا اختلاف في أن جز شعرها مثلة. وفي كتب المدنيين سئل ابن نافع هل كره للمسلمة أن تفرق قصتها كما يصنع نساء أهل الكتاب؟ قال: لا، وبالله التوفيق.

.مسألة البِرِّ المحمود:

في البِرِّ المحمود قال أشهب: أخبرني مالك قال، حدثني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه قال: لم يعرف البر في عمر ابن الخطاب ولا في ابنه حتى يقولا أو يفعلا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنهما كانا لا يظهران من فعل الخير أكثر مما كانا يقولانه أو يفعلانه، وفي هذا الحضُّ على تجنب الرياء، وبالله التوفيق.

.مسألة ثناء ابن شهاب على عبد الله بن أبي بكر:

في ثناء ابن شهاب على عبد الله بن أبي بكر قال مالك: أخبرني ابن غزية قال، قال ابن شهاب: من بالمدينة يفتي؟ فأجابه فقال ابن شهاب ما ثم مثل عبد الله بن أبي بكر، ولكن إنما يمنعه أن يرفع ذكره مكان أبيه أنه حي.
قال محمد بن رشد: عبد الله بن أبي بكر هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أحد شيوخ مالك الذين روى عنهم وعول عليهم، وكفى في الثناء عليه قول ابن شهاب هذا فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة وقت تحويل القبلة:

في وقت تحويل القبلة قال مالك: أقام الناس يصلون نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم أمروا بالبيت. قال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] في صلاتكم إلى بيت المقدس. قال مالك: فإني لأذكر بقراءة هذه الآية قول المرجئة إن الصلاة ليست من الإيمان وقد سماها الله عز وجل من الإيمان.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه الرواية: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] في صلاتكم إلى بيت المقدس أي في صلاتكم إلى بيت المقدس، إذ ليس في التلاوة: في صلاتكم إلى بيت المقدس، فإنما ذكره مالك على التفسير لما في التلاوة؛ لأن الصلاة إنما تكون صلاة يثاب المصلي عليها إذا قارنها الإيمان، فلما كانت الصلاة لا تصح إلا بمقارنة الإيمان لها، وكان جل الثواب عليها للإيمان الذي قارنها بدليل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «نية المؤمن خير من عمله» لزم أن يقال فيها إنها إيمان، إذ لا يصح أن يفارقها الإيمان، فالحجة على المرجئة صحيحة من جهة التلاوة؛ لأن الله عز وجل سمى الصلاة إلى بيت المقدس إيمانا، بدليل أنها نزلت فيها، ومن جهة المعنى الذي ذكرناه أيضا. وعلى طريق التحقيق الصلاة ليست بإيمان منفردة، وإنما هي إيمان بالقلب وعمل بالجوارح، فلا يطلق عليها أنها إيمان إلا على ضرب من المجاز، إذ ليست بإيمان منفردة ولا يصح أن يقال فيها إنها غير الإيمان إذ لا يفارقها الإيمان، فهي كالصفة من الموصوف القديم لا يقال فيها إنها هو ولا إنها غيره، فقول المرجئة إن الصلاة ليست من الإيمان باطل بين البطلان، وبالله التوفيق.

.مسألة حكاية عن أبي بكر الصديق:

قال مالك: ولما أنزل الله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66] قال أبو بكر الصديق والذي بعثك بالحق إن كنت لفاعلا.
قال محمد بن رشد: لا شك أن أبا بكر الصديق من القليل الذين استثنى الله عز وجل في الآية، فلا أحد أحق بهذه الصفة منه، ويمينه على ذلك برة، وفي هذا حجة لرواية ابن الماجشون عن مالك فيمن حلف في أمر قد سلف لو كان كذا وكذا لفعلت كذا وكذا مما يمكنه فعله أن لا حنث عليه، خلافا لقول أصبغ إنه حانث إذ لا يدرى هل كان يفعل أو لا يفعل. وقد مضى هذا في رسم مرض من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب ومن كتاب الجهاد، وبالله التوفيق.

.مسألة التثبت في القول:

في التثبت في القول وقال مالك: كان ذلك الرجل يقول: ما علمت فقل، وما استؤثر به عنك فكله إلى عالمه؛ لأنا في العمد أخوف عليكم مني في الخطأ.
قال محمد بن رشد: هذا مثل أن يسأل رجل تفسير آية من القرآن لا يعلم لها تأويلا فيقول فيها برأيه، فقد كان أبو بكر الصديق يقول: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت على الله ما لا أعلم، وبالله التوفيق.

.مسألة إقادة الإمام من نفسه:

في إقادة الإمام من نفسه قال مالك: قال رجل لعمر بن الخطاب: هل لك يا أمير المؤمنين في رجل قد رقدت حاجته وطال مقامه، فقال عمر بن الخطاب من زيدها؟ فقال أنت. فغضب عمر فضربه بالدرة، فقال: عجلت يا أمير المؤمنين علي قبل أن تنظر في أمري، فإن كنت ظالما أخذت مني، وإن كنت مظلوما رددت علي، فقال له عمر: صدقت، فقال هاك فاستقد، فقال لا أفعل، فقال لتستقدن أو لتفعلن ما يفعل المنتصف من حقه. قال قد عفوت. قال عمر: أنصفت من نفسي قبل أن ينصف مني، ثم بكى عمر حتى لو كنت بالأراك لسمعت حنين ابن الخطاب.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه الحكاية والقول فيها في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة حكاية لكعب الأحبار مع عمر بن الخطاب:

قال: وقال كعب الأحبار لعمر بن الخطاب: في التوراة ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، فقال له عمر، إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: ما بينهما حرف إلا من حاسب نفسه.
قال محمد بن رشد: مضت هذه الحكاية في أول رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم أكمل مما وقعت ها هنا، ومضى الكلام عليها هناك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة إيثار الرجل نفسه في الطعام والكسوة على رقيقه وعياله:

في إيثار الرجل نفسه في الطعام والكسوة على رقيقه وعياله قال: وسمعته وسئل أيصلح أن يأكل الرجل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه أو يلبس ثيابا لا يكسوهم مثلها؟ فقال: إني والله لأراه من ذلك في سعة، ولكن يحسن إليهم ويطعمهم. فقيل له: أرأيت ما جاء من حديث أبي الدرداء؟ فقال كان الناس يومئذ ليس لهم ذلك القوت.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رواية أبي هريرة في موطئه: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف» الحديث. ومعنى قوله فيه بالمعروف أي من غير إسراف ولا إقتار، وعلى قدر سعة مال السيد وما أشبه حال العبد أيضا، فليس حال العبد الأسود الوغد الذي هو للخدمة والحرث كالعبد النبيل التاجر الفاره فيما يجب لهما على سيدهما من الكسوة سواء، قلا يلزم الرجل أن يساوي بين نفسه وعبده في المطعم والملبس على ما ذهب إليه بعض أهل العلم لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون». وقد روي عن أبي اليسر الأنصاري وأبي ذر من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهما كانا يفعلان ذلك، وهو محمول منهما على الرغبة في فعل الخير لا على أن ذلك واجب عليهما، إذ لم يقل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أطعموهم مثل ما تأكلون واكسوهم مثل ما تلبسون، وإنما قال: مما تأكلون ومما تلبسون، فإذا أطعمه وكساه بالمعروف من بعض ما يأكل من الخبز والإدام ويلبس من الصوف والقطن والكتان، فقد شاركه في مطعمه وملبسه، وامتثل بذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وبالله التوفيق.